قطر وتركيا.. علاقات استراتيجية وعسكرية مشتركة

المصدر   :   الخليج أونلاين

 سلط تبني البرلمان التركي، الأربعاء (7 يونيو/حزيران 2017)، لاتفاقيتين تسمحان بنشر قوات عسكرية بقاعدة تركية في قطر؛ تطبيقاً لاتفاقية الدفاع المشترك التي وقعها البلدان عام 2014، بالإضافة إلى تدريب قوات الدرك، الضوء على طبيعة العلاقة التي تربط الدولتين، في ظل أزمة تشهدها منطقة الخليج العربي، تجسدت بقطع مفاجئ لثلاث دول خليجية هي: السعودية والإمارات والبحرين، علاقاتها مع الدوحة، وفرض قيود على حركة الملاحة الجوية والمعابر البرية.

 

الدبلوماسية القطرية تبنت رؤية استراتيجية تقوم على بناء تحالفات إقليمية، تعتمد على رؤية التحديات والمخاطر التي تحيط بمنطقة الشرق الأوسط، الناتجة عن تصاعد الصراع بسبب التدخلات الدولية، وكذلك تنامي الخط الطائفي في المنطقة، والذي نتج عن احتلال العراق عام 2003، وتغلغل المد الإيراني في عمق المنطقة العربية، وتركيا تحتل موقع الصدارة في هذه الرؤية لاعتبارات عديدة، أهمها موقعها الاستراتيجي من الناحية الجيوسياسية، وقدراتها العسكرية لكونها عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

 

- علاقة استراتيجية

 

القمم التي جمعت زعيمي البلدين على مدار السنوات الثلاث الماضية، تعكس أهمية العلاقة وبعدها الاستراتيجي، حيث التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والأمير تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، 12 مرة منذ تولي أردوغان الرئاسة في 28 أغسطس/ آب 2014.

 

وتم خلال تلك القمم بلورة التطور المتواصل في العلاقات في مجالات شتى، سياسياً، وتأطيره مؤسساتياً، بإنشاء لجنة عليا للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، وكان آخر اجتماع بين الرئيس التركي، والأمير تميم، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بمدينة طرابزون التركية، الواقعة على ساحل البحر الأسود، وتم خلالها توقيع العديد من الاتفاقيات الهامة في مجال الطاقة، والسياحة، والإنشاءات، والدفاع، والأمن، وستصدر بموجبها تركيا أجهزة عسكرية إلى قطر، تبلغ قيمتها مليارَي دولار منها مركبات مدرعة، ورادارات، وطائرات دون طيار، ومعدات عسكرية متنوعة للاتصالات.

 

وتم كذلك توقيع أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم وتعاون لتعزيز التعاون بين الجانبين في مجالات شتى، وأهمها التعاون العسكري، حيث تمركز قرابة 150 عنصراً من أفراد الجيش والبحرية والقوات الخاصة التركية، مؤقتاً، في قاعدة عسكرية قطرية، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2015، بانتظار الانتهاء من بناء القاعدة العسكرية، التي ستصبح مقراً دائماً للقوات التركية هناك، في إطار عزم تركيا زيادة قواتها هناك إلى ثلاثة آلاف عنصر، حالما تجهز قاعدتها العسكرية الخاصة.

 

وفي ختام جولته الخليجية، في 15 فبراير/ شباط الماضي، أكّد أردوغان خلال زيارته إلى قطر، أهمية العلاقات مع الدوحة، قائلاً: إن "قطر لطالما كانت، خاصة في الأوقات الصعبة الأخيرة، حليفاً قوياً لتركيا، ومع قطر نحن نأمل في حلّ جميع المشاكل الإقليمية، فضلاً عن أننا نطمح إلى أن يكون هذا التعاون الوثيق القائم بين تركيا وقطر مهماً جداً لمستقبل المنطقة ككل".

 

وأثبتت هذه العلاقات مدى متانتها، عندما تدهورت العلاقات التركية مع روسيا، التي كانت المورد الرئيسي للغاز الطبيعي لتركيا، بعد عملية إسقاط الطائرة الروسية، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، حيث وافقت قطر على تزويد تركيا بالغاز الطبيعي المسال.

 

- تحالف أوجبته التحديات

 

التعاون والتحالف القطري التركي جاء بناء على قراءة عميقة للمشهد الإقليمي، ولمعطيات المعادلة الدولية المعقدة، وبهذا الخصوص يقول الكاتب التركي، متين غوركان، في موقع "المونيتور": "اختارت كل من تركيا وقطر توثيق علاقاتهما في مجال الدفاع والأمن، لأنهما تواجهان معضلات أمنية متشابهة، وعلى صعيد تلك التهديدات المشتركة يمكننا الحديث عن خصمهما الإقليمي، إيران، الذي تنامى نفوذه في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، فمهارة إيران في حشد المليشيات المسلحة، فضلاً عن امتلاكها لصواريخ باليستية، وتنفيذها لبرامجها النووية، أجبرت كلاً من تركيا وقطر على التعاون معاً للتصدي لهذا النفوذ الشيعي المتنامي".

 

وأضاف: "وجود روسيا المتنامي في الشرق الأوسط، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، شكل نقطة توافق أخرى بين البلدين؛ فبينما تتوقع دول مجلس التعاون الخليجي أن تتمتّع بفوائد اقتصادية جمة من تدخل روسيا في منطقتهم، فهي تشعر بالقلق من أن تقوم بتهديد أمنها واستقلاليتها".

 

وأشار غوركان إلى أن "مخاوف البلدين ازدادت بعد إشارة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى النظام العالمي الذي تطمح روسيا إلى إرسائه، والذي أطلق عليه في حديثه اسم "ما بعد الغرب"، إذ كان ينظر إليه على أنه انعكاس لموقف روسيا الحقيقي".

 

الدبلوماسية القطرية سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تحقيق هدفين رئيسيين، ضمن رؤيتها لإرساء الاستقرار الاقتصادي وتحقيق الأمن الإقليمي، الأول يقوم على تحقيق التوازن بين التهديدات الأمنية التي تحيط بمنطقة الشرق الأوسط خصوصاً من جانب إيران، إلى جانب تحديات الإرهاب التي تعصف بالمنطقة، من خلال التعاون مع العديد من البلدان؛ وتركيا هي أفضل المؤهلين الدوليين لتحقيق هذه الغاية، ومن هنا كان التعاون التركي القطري في العديد من ملفات المنطقة، خصوصاً في الأزمة السورية.

 

الثاني توظيف الأموال العائدة من الثروات الوطنية، التي تجنيها من عائدات الطاقة، واستثمارها في المجالات الدولية، بهدف تنويع دخلها القومي، لذا كانت قطر الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بأزمة تراجع أسعار النفط التي عصفت بكافة الدول المنتجة للنفط، خصوصاً دول الخليج العربي.