يشهد قطاع التعليم تحولًا جذريًا بفضل التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي حين تركزت النقاشات لفترة طويلة على كيفية استخدام الطلاب لهذه الأدوات، يتجه الضوء الآن نحو الطرف الآخر من المعادلة: المعلمون والأكاديميون، الذين بدأوا في تبني الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتغيير أساليب عملهم، مما يطرح فرصًا وتحديات جديدة على مستوى العالم.
كيف يوظف المعلمون الذكاء الاصطناعي في مهامهم؟
خلافًا للنظرة السائدة، لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الطلاب. فقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة “غالوب” أن المعلمين الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي يوفرون ما متوسطه 5.9 ساعة أسبوعيًا. وفي تحول لافت، بدأ الطلاب أنفسهم في التعبير عن مخاوفهم بشأن اعتماد أساتذتهم على هذه التقنيات داخل الفصول الدراسية.
وفي هذا السياق، قدم تقرير حديث من شركة “أنثروبيك” نظرة معمقة حول استخدام الأكاديميين لمنصتها للذكاء الاصطناعي “كلود”. حيث قام الباحثون بتحليل ما يقارب 74,000 محادثة مجهولة المصدر لأكاديميين من مؤسسات التعليم العالي حول العالم خلال شهري مايو ويونيو الماضيين. وأظهرت النتائج أن الأساتذة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من المهام المهنية، مثل إعداد المناهج الدراسية، وتصميم المواد التعليمية، وتقييم الواجبات، مما يمنحهم وقتًا أكبر للتركيز على جوهر العملية التعليمية.
تحديات البحث ومنهجيته
واجهت الدراسة تحديات فريدة، أبرزها صعوبة تحديد هوية المستخدمين كأكاديميين، حيث لا تجمع المنصة حاليًا بيانات مهنية عن مستخدميها. وللتغلب على ذلك، استخدم الباحثون أداة تحليل آلية تحافظ على خصوصية المستخدمين، حيث تم فحص المحادثات المرتبطة بعناوين بريد إلكتروني تابعة لمؤسسات التعليم العالي، ومن ثم تصفية تلك التي تتضمن مهامًا أكاديمية بحتة.
ولإثراء التحليل، تعاونت “أنثروبيك” مع جامعة “نورث إيسترن” الأمريكية لإجراء مقابلات نوعية مع 22 من أعضاء هيئة التدريس الذين يُعتبرون من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي. وقد ساعدت هذه المقابلات في فهم دوافعهم، ومخاوفهم، وأنماط استخدامهم لهذه التقنية، مما قدم صورة أكثر اكتمالًا حول كيفية تبني الذكاء الاصطناعي في البيئة الجامعية.
سباق عالمي لدمج الذكاء الاصطناعي في النظم التعليمية
على المستوى الدولي، يتسابق العالم لمواكبة وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي التي تفوق قدرة معظم المدارس على التكيف. تحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن بعض الدول بدأت في تنفيذ استراتيجيات وطنية جريئة، بينما لا تزال دول أخرى في بداية الطريق. الهدف النهائي واحد في كل مكان: إعداد المتعلمين لعالم سيُشكّل فيه الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرهم وإبداعهم وعملهم.
يقول ستيفان فنسنت لانكرين، المحلل البارز في مديرية التعليم والمهارات بالمنظمة: “الحاجة الملحة ليست مجرد تبني الذكاء الاصطناعي، بل فهم كيفية دمجه بشكل هادف في أساليب التدريس، والتعلم من تجارب بعضنا البعض قبل أن تتسع الفجوات أكثر”. فإذا فشلت الفصول الدراسية في التكيف، يخاطر الطلاب بالتخرج إلى مستقبل ليسوا مستعدين له.
دروس من تجارب الدول الرائدة
تُظهر تجارب الدول السبّاقة في هذا المجال كلاً من الوعود والمخاطر، وتقدم دروسًا لم يعد بإمكان بقية العالم تجاهلها. على سبيل المثال، أنشأت هولندا مختبرًا وطنيًا للذكاء الاصطناعي يجمع بين المعلمين والباحثين والشركات والحكومة لتصميم الأدوات بشكل مشترك، بينما تضمن فرنسا إشراك المعلمين في مراحل شراء وتوريد التقنيات التعليمية.
وتبرز فنلندا كنموذج يُحتذى به، حيث وضعت محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي في صميم مناهجها الدراسية، لضمان فهم كل طالب لكيفية عمل هذه التقنية وحدودها. ولا يقتصر تدريب المعلمين هناك على استخدام الأدوات فحسب، بل يشمل أيضًا تأهيلهم لإدارة نقاشات أخلاقية حول قضايا التحيز والخصوصية. ولهذا، تعتبر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فنلندا مثالًا للتوافق بين السياسات والتربية والتطوير المهني في عصر الذكاء الاصطناعي.
More Stories
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قطاع التعليم: من المناصب القيادية في الجامعات إلى توفير الوقت في المدارس
الضعف الرئيسي في التعليم الكلاسيكي: أزمة المعلمين واستجابات مبتكرة